dimanche 25 mars 2012

محمود درويش:الفلسطينيون هم الهنود الحمر الجدد...قراءة في قصيدة :خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض...



هذه واحدة من القصائد المسافرة التي تذهب في التاريخ عكس اتجاه الزمان الى الماضي,وتذهب في الجغرافيا عكس اتجاه المكان الى الغرب,تستقرئ الأحداث,وتستمع الى نسغ الحضارات ,لتعود محملة بالتجارب الانسانية العميقة,تسقطها على حاضرها المضطرم بالهزات,وتستفيد منها في بناء مستقبلها الغامض,على اعتبار أن الزمن دورة واحدة ,وأن التاريخ يكرر نفسه فعلا لا قولا ,وأن الوقائع تظل كما هي حتى وان تغيرت المواقع ,ومحمود درويش كما عرفناه دائما, محمود الجميل ,محمود الأنيق,نمودج ناذر للشاعر المبدع والقارئ المثقف بامتياز, كان طوال مشواره الشعري,دائم البحث عن هواء جديد لرئتيه,وعن خرائط جديدة لمعاركه الشعرية المظفرة,انه الذاكرة الحية والروح التي لا تموت للشعب الفلسطيني المناضل من أجل قضيته العادلة,وفيما عدا قصائده الغزلية الأولى ينذر أن يجد القارئ ,قصيدة واحدة لا تحمل الهم الفلسطيني الكبير موته في ايامه الاخيرة ,أو حتى وهو يكتب قبل ذلك عن الهنود الحمر
في هذه القراءة لقصيدة ( خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض) سوف أتجاوز نظرية التصعيدالفني,بمعنى أني لن أتناول هنا كيف حول الشاعر همه الشخصي الى هم جماعي,ولكني على العكس من ذلك سوف أعتمد نظرية المثلث المقلوب,محاولا أن أقبض على لحظة هاربة في مسار محمود درويش قليلا ما تلفت اليها النقاد ألا وهي تحويل الهم الانساني الى هم وطني ,معتمدا على التقاطع التاريخي ووصولا الى التقاطع النصي .

* أولا/في الخلفية الثقافية والتاريخية للقصيدة :


*مدخل/ في العدد الخامس والأربعين من مجلة الكرمل,لعام1992وبمناسبة الذكرى المائوية الخامسة لاكتشاف أمريكا وغزو بلاد الهنود الحمر1492,تضمن العدد ملفا خاصا حول الذكرى ساهمت فيه مجموعة كبيرة من الباحثين من بينهم الناقد والباحث السوري الكبير المقيم في باريس صبحي حديدي الذي تناول بالترجمة مجموعة كبيرة من خطب زعماء الهنود الحمر التي يكونون قد ألقوها بالفعل أمام ممثلي الحكومات المتوالية على مدى قرون عديدة من الاستعمار الاسباني لبلادهم؛أقول يكونون,لأن المترجم نفسه يبدأ بالتشكيك بصحة تلك النصوص,خصوصا وان مدونها وناقلها هو الرجل الأبيض نفسه,مما قد يعرضها للحذف والتشويه بدافع من الانتصار الايديولوجي المنافي بطبيعة الحال لثقافة الرجل الأحمر,غير أن هذه النصوص –يضيف المترجم- قذ بدأت في التحسن منذ 1832بعد أن أخذ الهنود على عاتقهم مهمة تنقيحها بأنفسهم ,فأمكن القول حينها انها نصوص هندية أصيلة.

والحقيقة أنه لا تهمنا في هذا المقام صحة تلك النصوص,بقدر ما تهمنا الأشارة الى حتمية اطلاع الشاعرعليها باعتباره كان رئيسا لتحرير مجلة الكرمل,مما سمح له بالاستفادة منها في كتابة هذه القصيدة؛بل انه في اعتقادنا ماكان لهذه القصيدة أن تولد أصلا لولا اطلاع الشاعر على تلك النصوص مترجمة الى العربية على يد صديقه الباحث صبحي حديدي,وسوف نحاول في الأوراق اللاحقة,عقد مقارنة نصية بين قصيدة الشاعر من جهة وتلك النصوص من جهة أخرى,وسوف تندهشون كما اندهشت لدقة هذا التطابق لدرجة أنه يمكن اعتبار القصيدة ترجمة شعرية أخرى لتلك النصوص.
*ثانيا/ حدود التداخل النصي :
*ملاحظات منهجية قبل التطبيق :
-1-في مجال تطبيقنا لنظرية التناص فضلنا استعمال مصطلحين هما الآن من أهم المصطلحات المعمول بها في النقد العربي الحديث خصوصا لدى كل من أدونيس ومحمد بنيس ألا وهما النص المهاجر والنص الغائب ففي المقام الأول تبرز نصوص الهنود الحمر كنص مهاجر بينما تبرز القضية الفلسطينية في قصيدة محمود درويش كنص غائب,مع الاشارة الى أنه يمكن ايجاد مصطلحات مشابهة في النقد القديم مثل النص الأثر والنص الصدى ,ولكننا فضلنا هذين المصطلحين الجديدين هروبا من الأحكام القيمية القديمة كالتأثر والتأثير والسرقة الفنية وما الى ذلك,أما مصطلحا النص المهاجر والنص الغائب فلا نعثر على ما يقابلهما في النقد القديم, لعدم وجود تقنية البياض في النص القديم ,وبالنسبة الى تطبيقنا هذا فسوف نرى لاحقا كيف تتم عملية استقراء البياض واستدعاء النص الغائب كما تستدعى الأرواح في عمليات التحضير,ان النص الغائب هو في حقيقته نص ثالث ,على عكس ما يفهمه البعض من أنه النص المهاجر نفسه.
-2 – يشكل تقاطع النصين الحاضرين المهاجر والمهاجر اليه سلسلة طويلة من العناقات والتقاطعات لدرجة أن كل مقطع من القصيدة يكاد يشكل ترجمة حرفية – ولكن بلغة الشعر – لمقاطع أخرى من خطب ونصوص الهنود الحمر,لذلك سوف نكتفي بمطابقة ستة مقاطع فقط من كل نص,وهو رقم نظنه أكثر من كاف وأكثر من مقنع للتدليل على صدق نظريتنا.
** التوليفة أو التطبيق :
يستهل الشاعر الفلسطيني الكبير قصيدته بهذا المقطع :
...اذن نحن من نحن في المسيسيبي
لنا ما تبقى من الأمس
لكن لون السماء تغير
والبحر شرقا تغير ؛
يا سيد البيض
يا سيد الخيل
عالية روحنا في السماء
وانا من الذاهبين الى شجر الليل...
وتعبير التغير أو التبدل نجده كما هو في خطاب زعيم قبيلة الدواميش الذي ألقاه سنة 1854أمام ممثل الحكومة الأمريكية ,حيث يقول :
( قد تتبدل هذه السماء التي طالما ذرفت دموع الرحمة على شعبي طيلة قرون لا عد لها ,حتى بدت في نظرنا أزلية لا تتبدل...) فحين تتبدل السماء غير السماء ويتغير حتى لون الماء فان ذلك علامة فارقة على اختلال الزمان والمكان ,لأن ما كان يبدو أزليا وثابتا أصبح متغيرا وعابرا, فالحاضر ألغى الماضي,والمستقبل سوف يلغي الحاضر وهكذا يصبح لا مستقبل للهنود,وفي كلا النصين تأتي الاشارة الى الشرق كمصدر للشر,لأنه يمثل الجهة التي جاء منها الغزاة محمولين على سفائن كولومبوس أول مرة سنة 1492وحسب الشاعر الناطق باسم الهنود ف :
من حق كولومبس الحر أن يجد الهند في أي بحر
ومن حقه أن يسمي أشباحنا فلفلا وهنودا..
وفي وسعه أن يكسر بوصلة البحر كي تستقيم
وأخطاء ريح الشمال !
وهكذا يؤدي خطأ بسيط في البوصلة أو في اتجاه الريح الى تدمير حضارة قائمة بذاتها واقتلاع شعب كامل من ارض أجداده الطيبين لا لشيء سوى لأن روح النبالة المفرطة التي يتمتع بها الرجل الأحمر لا تروق للرجل الأبيض ,وكأنما هذا الهمجي النبيل هو الذي وقف حجر عثرة بين كولمبس وبين اكتشاف الهند أو كأنما بشرته الحمراء وحبه لأرضه وأرض أجداده هما الثمن الفظيع الذي كان لابد له من دفعه حتى يشعر الرجل الأبيض بالأنتصار,يقول زعيم قبائل سيوكس ) :هل جريمتي أنني أحب أرضي؟ هل بشرتي الحمراء تجعلني شريرا؟ألأني ولدت حيث عاش والدي,أم بسبب استعدادي للموت دفاعا عن شعبي؟) وهذه الروح العالية أو المتعالية نستطيع أن نتلمسها بوضوح في خطبة الصقر الأسود - وهو الاسم النضالي أو الثوري بتعابير زماننا هذا -لزعيم قبائل سوك التي ألقاها دقائق قبل وقوعه في الأسر واحراقه حيا ؛يقول ):لقدأوقعتموني في الأسر,قلبي يتقطع ألما ,فلقد سعيت دائما الى هزمكم ,والا فالصمود أطول وقت ممكن) ان الهندي الأحمر أو الصقر الأسود لا يهادن ولا يساوم ؛أنه غند المواجهة يصبح سهما نافذا وكائنا متوحشا له سبعة أرواح,ان الهندي الأحمر هو ابن المراعي المقدسة,ولكنه ابن السماء أيضا,وهذا الصوت الجمعي الذي للهنود نسمعه يتردد بوضوح على لسان محموددرويش حيث يقول :
ألمراعي مقدسة والنجوم
كلام مضيئ
اذا أنت حدقت فيها
قرأت حكايتنا كلها
ولدنا هنا بين ماء ونار
ونولد ثانية في الغيوم !
ان الهندي الأحمر الذي وصفته معظم الكتابات المصاحبة للغزو بالهمجية ثم صورته أفلام الغرب الأمريكي
في صورة الآدمي المتوحش لمتعطش للدم ,هو في حقيقته انسان مسالم لا يشرع قوسه ونشابه الا مدفوعا بواجب الكرامة والدفاع عن النفس,يقول زعيم قبائل ني بيرسي لوفد من الكونغرس الأمريكي سنة 1879 ) :اذا أرادالبيض العيش بسلام فسيكون لهم ذلك ,لا حاجة لاثارة الاضطراب,عاملوا الجميع سواسية فلعل الأيسر عليكم توقع جريان الأنهار الى منابعها من أن تحجروا على حرية رجل ولد حرا...) وهذه الدعوة الى المصالحة والتعايش السلمي واقتسام الأرض والخبز والشمس يعكسها الشاعر بوضوح تام حين يقول : أما آن أن نلتقي ياغريب
غريبين في زمن واحد
مثلما يلتقي الغرباء على هاويه ! لنا مالكم من سماء
ولكم مالنا من هواء وماء
تعال لنقتسم الضوء في قوة الظل ,
خذ ما تشاء من الليل واترك لنا نجمتين
لندفن أمواتنا في الفلك !
وخذما تريد من البحر واترك لنا موجتين لصيد السمك !
وحتى حين يقول زعيم قبائل ني بيرسي سالف الذكر رافضا ديانة النفاق التي جاء بها الرجل الأبيض :
)لانريد الكنائس لأنها تعلمنا الخصام حول الله,كما يفعل الكاثوليك والبروتستانت ,لسنا راغبين في تعلم هذا الشجار ,قد نتعارك مع آخرحول أشياء الطبيعة ,ولكننا لا نتعارك أبدا حول الله) فاننا نستطيع أن نستشف هذا الرفض واضحا ومشوبا بالسخرية في قصيدة محموددرويش حين يقول :
لكم ربكم ولنا ربنا
لكم دينكم ولنا ديننا
فلا تدفنوا الله في كتب وعدتكم
كما تزعمون-بأرض على أرضنا
ولا تجعلوا ربكم خادما في بلاط الملك وهنا تتكشف لنا مبررات الغزو كلها واضحة للعيان,فلقد عرف الهندي الأحمر بفطرته السليمة زيف هذه المبررات التي يسوقها الرجل الأبيض حين يدعي أنه ينشر ديانة الله,وللتدليل على كذب هذه المبررات وكذبها جمع أحد زعماء الهنود أتباعه ذات يوم وقال لهم (أتعلمون لماذا يعمل المسيحيون على ابادتنا؟) وحين أجابوه قائلين بسذاجة (ان للمسيحيين ولا شك ربا يحبونه ويفعلون هذا بنا لحملنا على عبادته) حينئذ رفع هذا الزعيم فوق رأسه سلة مليئة بالذهب وقال لأتباعه هذا هو اله المسيحيين فلماذا لا نقيم له الأعياد لعله يرضى عنا فصاح الجميع (هذا حسن , هذا حسن) وأخذوا يرقصون !,وهذه الحكاية الحقيقية التي أوردها الأب (بارتو لومي دو لاس كاساس ) وهوللتذكير أحد المفكرين الأسبان القلائل الذين دافعوا عن حقوق الهنود الحمر وأرخوا بصدق لمأساتهم , نجد صداها يتردد بشكل كبير في عدة مقاطع من القصيدة ,حيث يبرز الذهب بسطوته سببا رئيسا في المأساة ,يقول الشاعر :
وكولمبس الحر يبحث عن لغة لم يجدها هناك
وعن ذهب في جماجم أجدادنا الطيبين
... ... ...
الى أن يقول :
ولكنه لا يصدق أن البشر
سواسية كالهواء وكالماء خارج مملكة الخارطه
وأنهم يعبدون اله الطبيعة لا يعبدون الذهب!
يقول المؤرخ الشهير بيرنال دياز الشاهد على وقائع تدمير حضارة الأزتيك الشهيرة في المكسيك أنه ( منذ أن قام سليمان الحكيم ببناء الهيكل المقدس في أورشليم – القدس- مستخدما الكنوز التي أحضرت اليه من سبأ ,لم تذكر الكتابات القديمة كمية مماثلة للذهب والفضة والكنوز التي كانت ترسل يوميا الى قشتالة –اسبانيا) ولكن هل سعد الغزاة يوما بكل ذلك الذهب الذي جمعوه؟ الجواب يقوله واقع اسبانيا الحالية ,ويقوله التاريخ الحديث أيضا,وهو أن لعنة الهنود الحمر قد حلت على الأسبانيين,والا بماذا نفسر هذا الاندحار الكبير الذي آلت اليه مملكة قشتالة,وأين ذهبت كل تلك الثروات ؟أليس ذلك تحقيقا رهيبا لنبوءة زعيم قبائل الدواميش:(..وحين يعتقد أبناء أبنائكم أنهم بمفردهم في الحقل والمخزن والمتجر وعلى الطريق,أو وسط صمت الغابات التي بلا دروب,فانهم لن يكونوا بمفردهم البتة,وحين يسدل الليل أستاره على مدنكم وقراكم ,ويدخل في روعكم أنها خالية مقفرة,فاعلموا آنذاك أنها ستكون حاشدة بالمضيفين العائدين الذين عجت بهم هذه الأرض الجميلة من قبل ,لن يخلوا الأبيض الى نفسه أبدا ! ) أليس هذا هو المعنى نفسه الذي ذهب اليه محموددرويش حين قال على لسان الهنود الحمر :
اذا كان لا بد من قتلنا
فلا تقتلوا الكائنات التي صادقتنا
ولا تقتلوا أمسنا..
ستنقصكم هدنة مع أشباحنا
في ليالي الشتاء العقيمه !
***ثالثا/ في الخلفية التاريخية والسياسية للقصيدة :
* الأندلس كجذر مشترك للمأساة/
ما الذي تعنيه مأساة الهنود الحمر لمحموددرويش,وما الذي يعني له غزو بلادهم من قبل الأسبان أو من قبل غيرهم من الغزاة وهو الشاعر العربي الفلسطيني البعيد كل البعد عن الثقافة الأسبانية أو عن ثقافة الهنود الحمر؟
يقول الكاتب والباحث العربي كاظم جهاد ضمن مساهمته الخاصة في الملف المذكور آنفا بمجلة الكرمل :
( في الثاني عشر من كانون الثاني/يناير /جانفي 1492أمام اتحاد كل من ملك الأراغون الأسبانية فرديناند وملكة قشتالة ايزابيل, سقط آخر خليفة مسلم في غرناطة ,أبو عبد الله الصغير,وفي الثاني عشر من تشرين الأول /أكتوبر من العام نفسه ,وفيما يتواصل تهجير المسلمين من الأندلس, يصل كريستوف كولومبس الى جزيرة السان سلفادور في أمريكا اللاتينية التي جاء لاكتشافها مبعوثا من الملكين المذكورين اللذين كرسا تحالفها المشترك ضد المسلمين بأن تزوجا) .
وهكذا ,فان القضية كما ترون ليست قضية هجرة نص الى نص بقدر ما هي قضية ابادة كاملة لشعبين أعزلين وتهجيرهما من أرضهما ,واذا ما كانا يختلفان في المكان فانهما يتوحدان في الزمان ويتقاطعان في كون عدوهما واحد هو الاستيطان المسيحي الاسباني الذي سلب المسلمين من حقهم في الأندلس كما سلب الهنود الحمر من حقهم في أرضهم الأمريكية,ومن هذا التقاطع التاريخي والمأساوي بين الشعبين ,يأتي احتفاء الشاعر الكبير بنصوص الهنود الحمر احتفاء لا يكتفي بالتصفيق العاطفي العابر للقارات بقدر ما يذهب في الجرح المشترك الى حدود الاستفادة من ثقافة هذا الشعب المنقرض ,والتمثل بأدبياته تمثلا يهدف الى حماية الشعب العربي الفلسطيني المهدد هو الآخر بالانقراض والزوال,ان اسبانيا سنة 1492هي الجدر المشترك للمأساة بين العرب الموريسكيين والهنود الحمر وهي ما شكل نقطة التقاطع التاريخية الكبرى بين الشعبين ,لقد ذابت بقايا الهنود وانصهرت في أتون المجتمع الأمريكي المتعدد الأعراق,أما العرب فلا يزال التاريخ الى الآن يلعب لعبته الساخرة معهم,وخير دليل على ذلك القضية الفلسطينية التي لا تزال تراوح مكانها منذ 19440
/*الفلسطينيون هم الهنود الجدد /
ان فلسطين كما هو معروف هي النص الحاضر دوما في كتابات محموددرويش فلماذا غابت أو غيبت في هذه القصيدة ؟ أبادر الى الاجابة فورا قائلا ان فلسطين لم تغب في هذا النص بل هي حاضرة الحضور كله وانما تم تغييبها لأسباب يتعلق جزء منها بالرقابة التي تفرضها معظم الأنظمة العربية على الابداع , ولكن الجزء الأكبر منها يتعلق بعملية الابداع في حد ذاتها,وما يتطلبه التطور من ضرورة تنويع اشكال الخطاب,فاذا كان النص الدرويشي في مراحله الأولى اعتمد في خطابه أساسا على اللغة كما هو الحال مثلا في دواوينه (أوراق الزيتون,عاشق من فلسطين ,العصافير تموت في الجليل),فان النص الدرويشي الجديد,خصوصا في مرحلته المتأخرة التي تمثلها مجموعات (أحد عشر كوكبا) و(لماذا تركت الحصان وحيدا) بدأ يتجه الى العالمية -الانسانية كما هو الحال مثلا في هذه القصيدة التي جئنا بها على سبيل التدليل لا التحديد ,فحسب الكاتب الأردني فخري صالح فقد بدأ الشاعر الراحل في هذه المرحلة (يعمل على رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين,حيث تحضر الأندلس والهنود الحمروالكنعانيون, ليشكل من هذه المادة التاريخية صيغة للتعبير عن الفلسطينيين الخارجين من الأندلس ) أما أهم محطة في حياة الشاعر الكبير فهي ولوجه عتبات المرحلة الكونية التي تمثلها نصوصه التي سبقت رحيله بقليل, خصوصا نصه الطويل الذي سماه (جدارية) ولكن التجربة لم تكتمل للأسف فلقد هزم الموت الفن ورحل الشاعر نهاية 2008 نتيجة عملية فاشلة على القلب تاركا خلفه ديوانا مخطوطا بعنوان (أثر الفراشة) يحكي فيه بكثير من التأمل في الكون عن تجربته الفريدة مع الموت ,ان تجربة محموددرويش الشعرية كلها يلخصها الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين بقوله :لقد انتقل درويش من مرحلة الخطوط المستقيمة الى مرحلة الزوايا والدوائر .
اذن فلسطين لم تغب وانما تم تغييبها كنوع من الانزياح الفني بلغة البياض ,وتم تحويلها بلغة علم النفس ,ولكنها ظلت دائما في فكر وقلب الشاعر كما في نصوصه ,هي النواة الخفية والذات المركزية التي احتمت بماضي الآخرين هروبا من واقع الحال ,لنقل ان الشاعر صار يكتب قضيته بالبياض أوبالحبر السري لأنها تستوطنه من الداخل كالعبء الثقيل أو كالحمل غير الشرعي,وهو الشاعر الهش الذي حمل عبء القضية منذ الصغر فهو في شفافيته وذهوله, يشبه الفراشة التي تحمل عبء العالم فوق جناحيها وتطير مقتربة من اللهب ,ونستطيع أن نجد تبريرا مقنعا(من الاقناع) لهذا التنكر أو التقنع الشعري(من القناع) ان صح التعبير خصوصا وأن الشاعر قد أعلن منذ البداية عن توجهه السياسي والفكري وصار واحدا من أكبر الشعراء الانسانيين المناصرين لقضايا أوطانهم فهو لا يختلف ولا يقل شأنا عن ناظم حكمت وبابلو نيرودا .
ان ما تقوله القصيدة بلغة البياض هو ان الفلسطينيين هم الهنود الجدد,وهم الموريسكيون الجديدون أيضا,فما الفرق اذا بين عامي 1492و1948أو بين الفلسطينيين والهنود الحمر ما دام التاريخ يكرر نفسه بهذه البشاعة والعنف؟كما يمكن قراءة القصيدة في سياق آخر,هوسياق النقد الذاتي , اذ يمكن أن تحمل خطابا سياسيا قاسيا ومريرا يوجه أصابع الأتهام الى الواقع العربي المتخاذل,كما يمكن استنتاج الدروس والعبر من هذه القصيدة,وهي أن التاريخ لا يرحم الضعفاء ,اذ لا يمكن ايجاد تفسير معقول لهذه السخرية المريرة والقساوة البالغة التي يعاملنا بها التاريخ سوى القول اننا نحن العرب تلامذة أغبياء لا يستفيدون من الدروس مهما تكررت,وما فلسطين والعراق سوى حلقتين صغيرتين في مسلسل التدمير الذي لا ينتهي,فعلى من ستدور الدائرة بعدهما ياترى اذا استمر العرب على ما هم عليه من التخاذل والهوان؟
****أخيرا :في الأبعاد الدلالية للعنوان :
لا يشكل العنوان فكرة عامة فقط للنص كما هو الحال بالنسبة للنصوص القديمة,ولكنه أصبح جزءا مهما من النص الحديث,اذ لا يمكن قراء النصوص الحديثة بمعزل عن عناوينها,فلماذا اذا هي خطبة الهندي ماقبل الأخيرة وليست الأخيرة أمام الرجل الأبيض؟والجواب هو أن الخطبة الأخيرة لن تكون أمام بل على جثة الرجل الأبيض أو فوق ضريحه,هذا ما تقوله لنا القصيدة وهذا مايقوله التاريخ أيضا,فحسب الدكتور كاظم جهاد فان (ابادة حضارة الهنود الحمر من طرف الاسبان قد أدى بدوره في نهاية المطاف الى انحذار الاسبان أنفسهم وتهميشهم في التاريخ الحديث,على نحو لم يكن لهم فيه سابق توقع ولا تخطيط),وانطلاقا من هذه الشهادة أو من هذه القراءة في التاريخ,يمكن تلخيص الأبعاد الدلالية الكبيرة التي تحملها القصيدة في عنوانها,في بعدين رئيسين هما:البعد المستقبلي النبوئي المتفائل الذي يحمل بشارة الخلاص للشعب الفلسطيني وكل الشعوب المناضلة في العالم,والبعد المستقبلي النبوئي المتشائم الذي يحمل نذير الثورة والانتقام ضد كل ظالم مستبد, فكما تنبأ زعيم قبائل الدواميش بانهيار قوة الاسبان وانهزامهم في عقر دارهم,يتنبأ محموددرويش كذلك في هذه القصيدة بانقلاب التاريخ على الصهاينة وعلى القوى الكبرى التي تدعمهم في العالم,ومثلما كان للشعب الجزائري العظيم خطبته الأخيرة على جثمان الاستعمار الفرنسي الغاشم سنة 1962فسوف يكون للشعب الفلسطيني المكابر يوم يقول فيه كلمته الأخيرة ويلقي فيه خطبته الكبيرة على رفاة الكيان الصهيوني وان طال الزمن0
*الهوامش:
1 –محمود درويش :خطبة الهندي الأحمر ماقبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض.
2 –مجلة الكرمل :عدد 45-1992نصوص هنود أمريكا الشمالية ,ترجمة صبحي حديدي.
3 –مجلة العربي 599: -أكتوبر2008ملف خاص عن محموددرويش.
4 –كتبت هذه الدراسة لأول مرة بشكل مختصر سنة 1993ثم أعدت كتابتها واخراجها بهذا الشكل بعد رحيل الشاعر نهاية 2008
.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire