mercredi 28 mars 2012

محمود درويش:الفلسطينيون هم الهنود الحمر الجدد...قراءة في قصيدة :خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض..


هذه واحدة من القصائد المسافرة التي تذهب في التاريخ عكس اتجاه الزمان الى الماضي,وتذهب في الجغرافيا عكس اتجاه المكان الى الغرب,تستقرئ الأحداث,وتستمع الى نسغ الحضارات ,لتعود محملة بالتجارب الانسانية العميقة,تسقطها على حاضرها المضطرم بالهزات,وتستفيد منها في بناء مستقبلها الغامض,على اعتبار أن الزمن دورة واحدة ,وأن التاريخ يكرر نفسه فعلا لا قولا ,وأن الوقائع تظل كما هي حتى وان تغيرت المواقع ,ومحمود درويش كما عرفناه دائما, محمود الجميل ,محمود الأنيق,نمودج ناذر للشاعر المبدع والقارئ المثقف بامتياز, كان طوال مشواره الشعري,دائم البحث عن هواء جديد لرئتيه,وعن خرائط جديدة لمعاركه الشعرية المظفرة,انه الذاكرة الحية والروح التي لا تموت للشعب الفلسطيني المناضل من أجل قضيته العادلة,وفيما عدا قصائده الغزلية الأولى ينذر أن يجد القارئ ,قصيدة واحدة لا تحمل الهم الفلسطيني الكبير موته في ايامه الاخيرة ,أو حتى وهو يكتب قبل ذلك عن الهنود الحمر
في هذه القراءة لقصيدة ( خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض) سوف أتجاوز نظرية التصعيدالفني,بمعنى أني لن أتناول هنا كيف حول الشاعر همه الشخصي الى هم جماعي,ولكني على العكس من ذلك سوف أعتمد نظرية المثلث المقلوب,محاولا أن أقبض على لحظة هاربة في مسار محمود درويش قليلا ما تلفت اليها النقاد ألا وهي تحويل الهم الانساني الى هم وطني ,معتمدا على التقاطع التاريخي ووصولا الى التقاطع النصي .

* أولا/في الخلفية الثقافية والتاريخية للقصيدة :

*مدخل/ في العدد الخامس والأربعين من مجلة الكرمل,لعام1992وبمناسبة الذكرى المائوية الخامسة لاكتشاف أمريكا وغزو بلاد الهنود الحمر1492,تضمن العدد ملفا خاصا حول الذكرى ساهمت فيه مجموعة كبيرة من الباحثين من بينهم الناقد والباحث السوري الكبير المقيم في باريس صبحي حديدي الذي تناول بالترجمة مجموعة كبيرة من خطب زعماء الهنود الحمر التي يكونون قد ألقوها بالفعل أمام ممثلي الحكومات المتوالية على مدى قرون عديدة من الاستعمار الاسباني لبلادهم؛أقول يكونون,لأن المترجم نفسه يبدأ بالتشكيك بصحة تلك النصوص,خصوصا وان مدونها وناقلها هو الرجل الأبيض نفسه,مما قد يعرضها للحذف والتشويه بدافع من الانتصار الايديولوجي المنافي بطبيعة الحال لثقافة الرجل الأحمر,غير أن هذه النصوص –يضيف المترجم- قذ بدأت في التحسن منذ 1832بعد أن أخذ الهنود على عاتقهم مهمة تنقيحها بأنفسهم ,فأمكن القول حينها انها نصوص هندية أصيلة.
والحقيقة أنه لا تهمنا في هذا المقام صحة تلك النصوص,بقدر ما تهمنا الأشارة الى حتمية اطلاع الشاعرعليها باعتباره كان رئيسا لتحرير مجلة الكرمل,مما سمح له بالاستفادة منها في كتابة هذه القصيدة؛بل انه في اعتقادنا ماكان لهذه القصيدة أن تولد أصلا لولا اطلاع الشاعر على تلك النصوص مترجمة الى العربية على يد صديقه الباحث صبحي حديدي,وسوف نحاول في الأوراق اللاحقة,عقد مقارنة نصية بين قصيدة الشاعر من جهة وتلك النصوص من جهة أخرى,وسوف تندهشون كما اندهشت لدقة هذا التطابق لدرجة أنه يمكن اعتبار القصيدة ترجمة شعرية أخرى لتلك النصوص.
*ثانيا/ حدود التداخل النصي :
*ملاحظات منهجية قبل التطبيق :
-1-في مجال تطبيقنا لنظرية التناص فضلنا استعمال مصطلحين هما الآن من أهم المصطلحات المعمول بها في النقد العربي الحديث خصوصا لدى كل من أدونيس ومحمد بنيس ألا وهما النص المهاجر والنص الغائب ففي المقام الأول تبرز نصوص الهنود الحمر كنص مهاجر بينما تبرز القضية الفلسطينية في قصيدة محمود درويش كنص غائب,مع الاشارة الى أنه يمكن ايجاد مصطلحات مشابهة في النقد القديم مثل النص الأثر والنص الصدى ,ولكننا فضلنا هذين المصطلحين الجديدين هروبا من الأحكام القيمية القديمة كالتأثر والتأثير والسرقة الفنية وما الى ذلك,أما مصطلحا النص المهاجر والنص الغائب فلا نعثر على ما يقابلهما في النقد القديم, لعدم وجود تقنية البياض في النص القديم ,وبالنسبة الى تطبيقنا هذا فسوف نرى لاحقا كيف تتم عملية استقراء البياض واستدعاء النص الغائب كما تستدعى الأرواح في عمليات التحضير,ان النص الغائب هو في حقيقته نص ثالث ,على عكس ما يفهمه البعض من أنه النص المهاجر نفسه.
-2 – يشكل تقاطع النصين الحاضرين المهاجر والمهاجر اليه سلسلة طويلة من العناقات والتقاطعات لدرجة أن كل مقطع من القصيدة يكاد يشكل ترجمة حرفية – ولكن بلغة الشعر – لمقاطع أخرى من خطب ونصوص الهنود الحمر,لذلك سوف نكتفي بمطابقة ستة مقاطع فقط من كل نص,وهو رقم نظنه أكثر من كاف وأكثر من مقنع للتدليل على صدق نظريتنا.
** التوليفة أو التطبيق :
يستهل الشاعر الفلسطيني الكبير قصيدته بهذا المقطع :
...اذن نحن من نحن في المسيسيبي
لنا ما تبقى من الأمس
لكن لون السماء تغير
والبحر شرقا تغير ؛
يا سيد البيض
يا سيد الخيل
عالية روحنا في السماء
وانا من الذاهبين الى شجر الليل...
وتعبير التغير أو التبدل نجده كما هو في خطاب زعيم قبيلة الدواميش الذي ألقاه سنة 1854أمام ممثل الحكومة الأمريكية ,حيث يقول :
( قد تتبدل هذه السماء التي طالما ذرفت دموع الرحمة على شعبي طيلة قرون لا عد لها ,حتى بدت في نظرنا أزلية لا تتبدل...) فحين تتبدل السماء غير السماء ويتغير حتى لون الماء فان ذلك علامة فارقة على اختلال الزمان والمكان ,لأن ما كان يبدو أزليا وثابتا أصبح متغيرا وعابرا, فالحاضر ألغى الماضي,والمستقبل سوف يلغي الحاضر وهكذا يصبح لا مستقبل للهنود,وفي كلا النصين تأتي الاشارة الى الشرق كمصدر للشر,لأنه يمثل الجهة التي جاء منها الغزاة محمولين على سفائن كولومبوس أول مرة سنة 1492وحسب الشاعر الناطق باسم الهنود ف :
من حق كولومبس الحر أن يجد الهند في أي بحر
ومن حقه أن يسمي أشباحنا فلفلا وهنودا..
وفي وسعه أن يكسر بوصلة البحر كي تستقيم
وأخطاء ريح الشمال !
وهكذا يؤدي خطأ بسيط في البوصلة أو في اتجاه الريح الى تدمير حضارة قائمة بذاتها واقتلاع شعب كامل من ارض أجداده الطيبين لا لشيء سوى لأن روح النبالة المفرطة التي يتمتع بها الرجل الأحمر لا تروق للرجل الأبيض ,وكأنما هذا الهمجي النبيل هو الذي وقف حجر عثرة بين كولمبس وبين اكتشاف الهند أو كأنما بشرته الحمراء وحبه لأرضه وأرض أجداده هما الثمن الفظيع الذي كان لابد له من دفعه حتى يشعر الرجل الأبيض بالأنتصار,يقول زعيم قبائل سيوكس ) :هل جريمتي أنني أحب أرضي؟ هل بشرتي الحمراء تجعلني شريرا؟ألأني ولدت حيث عاش والدي,أم بسبب استعدادي للموت دفاعا عن شعبي؟) وهذه الروح العالية أو المتعالية نستطيع أن نتلمسها بوضوح في خطبة الصقر الأسود - وهو الاسم النضالي أو الثوري بتعابير زماننا هذا -لزعيم قبائل سوك التي ألقاها دقائق قبل وقوعه في الأسر واحراقه حيا ؛يقول ):لقدأوقعتموني في الأسر,قلبي يتقطع ألما ,فلقد سعيت دائما الى هزمكم ,والا فالصمود أطول وقت ممكن) ان الهندي الأحمر أو الصقر الأسود لا يهادن ولا يساوم ؛أنه غند المواجهة يصبح سهما نافذا وكائنا متوحشا له سبعة أرواح,ان الهندي الأحمر هو ابن المراعي المقدسة,ولكنه ابن السماء أيضا,وهذا الصوت الجمعي الذي للهنود نسمعه يتردد بوضوح على لسان محموددرويش حيث يقول :
ألمراعي مقدسة والنجوم
كلام مضيئ
اذا أنت حدقت فيها
قرأت حكايتنا كلها
ولدنا هنا بين ماء ونار
ونولد ثانية في الغيوم !
ان الهندي الأحمر الذي وصفته معظم الكتابات المصاحبة للغزو بالهمجية ثم صورته أفلام الغرب الأمريكي
في صورة الآدمي المتوحش لمتعطش للدم ,هو في حقيقته انسان مسالم لا يشرع قوسه ونشابه الا مدفوعا بواجب الكرامة والدفاع عن النفس,يقول زعيم قبائل ني بيرسي لوفد من الكونغرس الأمريكي سنة 1879 ) :اذا أرادالبيض العيش بسلام فسيكون لهم ذلك ,لا حاجة لاثارة الاضطراب,عاملوا الجميع سواسية فلعل الأيسر عليكم توقع جريان الأنهار الى منابعها من أن تحجروا على حرية رجل ولد حرا...) وهذه الدعوة الى المصالحة والتعايش السلمي واقتسام الأرض والخبز والشمس يعكسها الشاعر بوضوح تام حين يقول : أما آن أن نلتقي ياغريب
غريبين في زمن واحد
مثلما يلتقي الغرباء على هاويه ! لنا مالكم من سماء
ولكم مالنا من هواء وماء
تعال لنقتسم الضوء في قوة الظل ,
خذ ما تشاء من الليل واترك لنا نجمتين
لندفن أمواتنا في الفلك !
وخذما تريد من البحر واترك لنا موجتين لصيد السمك !
وحتى حين يقول زعيم قبائل ني بيرسي سالف الذكر رافضا ديانة النفاق التي جاء بها الرجل الأبيض :
)لانريد الكنائس لأنها تعلمنا الخصام حول الله,كما يفعل الكاثوليك والبروتستانت ,لسنا راغبين في تعلم هذا الشجار ,قد نتعارك مع آخرحول أشياء الطبيعة ,ولكننا لا نتعارك أبدا حول الله) فاننا نستطيع أن نستشف هذا الرفض واضحا ومشوبا بالسخرية في قصيدة محموددرويش حين يقول :
لكم ربكم ولنا ربنا
لكم دينكم ولنا ديننا
فلا تدفنوا الله في كتب وعدتكم
كما تزعمون-بأرض على أرضنا
ولا تجعلوا ربكم خادما في بلاط الملك وهنا تتكشف لنا مبررات الغزو كلها واضحة للعيان,فلقد عرف الهندي الأحمر بفطرته السليمة زيف هذه المبررات التي يسوقها الرجل الأبيض حين يدعي أنه ينشر ديانة الله,وللتدليل على كذب هذه المبررات وكذبها جمع أحد زعماء الهنود أتباعه ذات يوم وقال لهم (أتعلمون لماذا يعمل المسيحيون على ابادتنا؟) وحين أجابوه قائلين بسذاجة (ان للمسيحيين ولا شك ربا يحبونه ويفعلون هذا بنا لحملنا على عبادته) حينئذ رفع هذا الزعيم فوق رأسه سلة مليئة بالذهب وقال لأتباعه هذا هو اله المسيحيين فلماذا لا نقيم له الأعياد لعله يرضى عنا فصاح الجميع (هذا حسن , هذا حسن) وأخذوا يرقصون !,وهذه الحكاية الحقيقية التي أوردها الأب (بارتو لومي دو لاس كاساس ) وهوللتذكير أحد المفكرين الأسبان القلائل الذين دافعوا عن حقوق الهنود الحمر وأرخوا بصدق لمأساتهم , نجد صداها يتردد بشكل كبير في عدة مقاطع من القصيدة ,حيث يبرز الذهب بسطوته سببا رئيسا في المأساة ,يقول الشاعر :
وكولمبس الحر يبحث عن لغة لم يجدها هناك
وعن ذهب في جماجم أجدادنا الطيبين
... ... ...
الى أن يقول :
ولكنه لا يصدق أن البشر
سواسية كالهواء وكالماء خارج مملكة الخارطه
وأنهم يعبدون اله الطبيعة لا يعبدون الذهب!
يقول المؤرخ الشهير بيرنال دياز الشاهد على وقائع تدمير حضارة الأزتيك الشهيرة في المكسيك أنه ( منذ أن قام سليمان الحكيم ببناء الهيكل المقدس في أورشليم – القدس- مستخدما الكنوز التي أحضرت اليه من سبأ ,لم تذكر الكتابات القديمة كمية مماثلة للذهب والفضة والكنوز التي كانت ترسل يوميا الى قشتالة –اسبانيا) ولكن هل سعد الغزاة يوما بكل ذلك الذهب الذي جمعوه؟ الجواب يقوله واقع اسبانيا الحالية ,ويقوله التاريخ الحديث أيضا,وهو أن لعنة الهنود الحمر قد حلت على الأسبانيين,والا بماذا نفسر هذا الاندحار الكبير الذي آلت اليه مملكة قشتالة,وأين ذهبت كل تلك الثروات ؟أليس ذلك تحقيقا رهيبا لنبوءة زعيم قبائل الدواميش:(..وحين يعتقد أبناء أبنائكم أنهم بمفردهم في الحقل والمخزن والمتجر وعلى الطريق,أو وسط صمت الغابات التي بلا دروب,فانهم لن يكونوا بمفردهم البتة,وحين يسدل الليل أستاره على مدنكم وقراكم ,ويدخل في روعكم أنها خالية مقفرة,فاعلموا آنذاك أنها ستكون حاشدة بالمضيفين العائدين الذين عجت بهم هذه الأرض الجميلة من قبل ,لن يخلوا الأبيض الى نفسه أبدا ! ) أليس هذا هو المعنى نفسه الذي ذهب اليه محموددرويش حين قال على لسان الهنود الحمر :
اذا كان لا بد من قتلنا
فلا تقتلوا الكائنات التي صادقتنا
ولا تقتلوا أمسنا..
ستنقصكم هدنة مع أشباحنا
في ليالي الشتاء العقيمه !
***ثالثا/ في الخلفية التاريخية والسياسية للقصيدة :
* الأندلس كجذر مشترك للمأساة/
ما الذي تعنيه مأساة الهنود الحمر لمحموددرويش,وما الذي يعني له غزو بلادهم من قبل الأسبان أو من قبل غيرهم من الغزاة وهو الشاعر العربي الفلسطيني البعيد كل البعد عن الثقافة الأسبانية أو عن ثقافة الهنود الحمر؟
يقول الكاتب والباحث العربي كاظم جهاد ضمن مساهمته الخاصة في الملف المذكور آنفا بمجلة الكرمل :
( في الثاني عشر من كانون الثاني/يناير /جانفي 1492أمام اتحاد كل من ملك الأراغون الأسبانية فرديناند وملكة قشتالة ايزابيل, سقط آخر خليفة مسلم في غرناطة ,أبو عبد الله الصغير,وفي الثاني عشر من تشرين الأول /أكتوبر من العام نفسه ,وفيما يتواصل تهجير المسلمين من الأندلس, يصل كريستوف كولومبس الى جزيرة السان سلفادور في أمريكا اللاتينية التي جاء لاكتشافها مبعوثا من الملكين المذكورين اللذين كرسا تحالفها المشترك ضد المسلمين بأن تزوجا) .
وهكذا ,فان القضية كما ترون ليست قضية هجرة نص الى نص بقدر ما هي قضية ابادة كاملة لشعبين أعزلين وتهجيرهما من أرضهما ,واذا ما كانا يختلفان في المكان فانهما يتوحدان في الزمان ويتقاطعان في كون عدوهما واحد هو الاستيطان المسيحي الاسباني الذي سلب المسلمين من حقهم في الأندلس كما سلب الهنود الحمر من حقهم في أرضهم الأمريكية,ومن هذا التقاطع التاريخي والمأساوي بين الشعبين ,يأتي احتفاء الشاعر الكبير بنصوص الهنود الحمر احتفاء لا يكتفي بالتصفيق العاطفي العابر للقارات بقدر ما يذهب في الجرح المشترك الى حدود الاستفادة من ثقافة هذا الشعب المنقرض ,والتمثل بأدبياته تمثلا يهدف الى حماية الشعب العربي الفلسطيني المهدد هو الآخر بالانقراض والزوال,ان اسبانيا سنة 1492هي الجدر المشترك للمأساة بين العرب الموريسكيين والهنود الحمر وهي ما شكل نقطة التقاطع التاريخية الكبرى بين الشعبين ,لقد ذابت بقايا الهنود وانصهرت في أتون المجتمع الأمريكي المتعدد الأعراق,أما العرب فلا يزال التاريخ الى الآن يلعب لعبته الساخرة معهم,وخير دليل على ذلك القضية الفلسطينية التي لا تزال تراوح مكانها منذ 19440
/*الفلسطينيون هم الهنود الجدد /
ان فلسطين كما هو معروف هي النص الحاضر دوما في كتابات محموددرويش فلماذا غابت أو غيبت في هذه القصيدة ؟ أبادر الى الاجابة فورا قائلا ان فلسطين لم تغب في هذا النص بل هي حاضرة الحضور كله وانما تم تغييبها لأسباب يتعلق جزء منها بالرقابة التي تفرضها معظم الأنظمة العربية على الابداع , ولكن الجزء الأكبر منها يتعلق بعملية الابداع في حد ذاتها,وما يتطلبه التطور من ضرورة تنويع اشكال الخطاب,فاذا كان النص الدرويشي في مراحله الأولى اعتمد في خطابه أساسا على اللغة كما هو الحال مثلا في دواوينه (أوراق الزيتون,عاشق من فلسطين ,العصافير تموت في الجليل),فان النص الدرويشي الجديد,خصوصا في مرحلته المتأخرة التي تمثلها مجموعات (أحد عشر كوكبا) و(لماذا تركت الحصان وحيدا) بدأ يتجه الى العالمية -الانسانية كما هو الحال مثلا في هذه القصيدة التي جئنا بها على سبيل التدليل لا التحديد ,فحسب الكاتب الأردني فخري صالح فقد بدأ الشاعر الراحل في هذه المرحلة (يعمل على رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين,حيث تحضر الأندلس والهنود الحمروالكنعانيون, ليشكل من هذه المادة التاريخية صيغة للتعبير عن الفلسطينيين الخارجين من الأندلس ) أما أهم محطة في حياة الشاعر الكبير فهي ولوجه عتبات المرحلة الكونية التي تمثلها نصوصه التي سبقت رحيله بقليل, خصوصا نصه الطويل الذي سماه (جدارية) ولكن التجربة لم تكتمل للأسف فلقد هزم الموت الفن ورحل الشاعر نهاية 2008 نتيجة عملية فاشلة على القلب تاركا خلفه ديوانا مخطوطا بعنوان (أثر الفراشة) يحكي فيه بكثير من التأمل في الكون عن تجربته الفريدة مع الموت ,ان تجربة محموددرويش الشعرية كلها يلخصها الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين بقوله :لقد انتقل درويش من مرحلة الخطوط المستقيمة الى مرحلة الزوايا والدوائر .
اذن فلسطين لم تغب وانما تم تغييبها كنوع من الانزياح الفني بلغة البياض ,وتم تحويلها بلغة علم النفس ,ولكنها ظلت دائما في فكر وقلب الشاعر كما في نصوصه ,هي النواة الخفية والذات المركزية التي احتمت بماضي الآخرين هروبا من واقع الحال ,لنقل ان الشاعر صار يكتب قضيته بالبياض أوبالحبر السري لأنها تستوطنه من الداخل كالعبء الثقيل أو كالحمل غير الشرعي,وهو الشاعر الهش الذي حمل عبء القضية منذ الصغر فهو في شفافيته وذهوله, يشبه الفراشة التي تحمل عبء العالم فوق جناحيها وتطير مقتربة من اللهب ,ونستطيع أن نجد تبريرا مقنعا(من الاقناع) لهذا التنكر أو التقنع الشعري(من القناع) ان صح التعبير خصوصا وأن الشاعر قد أعلن منذ البداية عن توجهه السياسي والفكري وصار واحدا من أكبر الشعراء الانسانيين المناصرين لقضايا أوطانهم فهو لا يختلف ولا يقل شأنا عن ناظم حكمت وبابلو نيرودا .
ان ما تقوله القصيدة بلغة البياض هو ان الفلسطينيين هم الهنود الجدد,وهم الموريسكيون الجديدون أيضا,فما الفرق اذا بين عامي 1492و1948أو بين الفلسطينيين والهنود الحمر ما دام التاريخ يكرر نفسه بهذه البشاعة والعنف؟كما يمكن قراءة القصيدة في سياق آخر,هوسياق النقد الذاتي , اذ يمكن أن تحمل خطابا سياسيا قاسيا ومريرا يوجه أصابع الأتهام الى الواقع العربي المتخاذل,كما يمكن استنتاج الدروس والعبر من هذه القصيدة,وهي أن التاريخ لا يرحم الضعفاء ,اذ لا يمكن ايجاد تفسير معقول لهذه السخرية المريرة والقساوة البالغة التي يعاملنا بها التاريخ سوى القول اننا نحن العرب تلامذة أغبياء لا يستفيدون من الدروس مهما تكررت,وما فلسطين والعراق سوى حلقتين صغيرتين في مسلسل التدمير الذي لا ينتهي,فعلى من ستدور الدائرة بعدهما ياترى اذا استمر العرب على ما هم عليه من التخاذل والهوان؟
****أخيرا :في الأبعاد الدلالية للعنوان :
لا يشكل العنوان فكرة عامة فقط للنص كما هو الحال بالنسبة للنصوص القديمة,ولكنه أصبح جزءا مهما من النص الحديث,اذ لا يمكن قراء النصوص الحديثة بمعزل عن عناوينها,فلماذا اذا هي خطبة الهندي ماقبل الأخيرة وليست الأخيرة أمام الرجل الأبيض؟والجواب هو أن الخطبة الأخيرة لن تكون أمام بل على جثة الرجل الأبيض أو فوق ضريحه,هذا ما تقوله لنا القصيدة وهذا مايقوله التاريخ أيضا,فحسب الدكتور كاظم جهاد فان (ابادة حضارة الهنود الحمر من طرف الاسبان قد أدى بدوره في نهاية المطاف الى انحذار الاسبان أنفسهم وتهميشهم في التاريخ الحديث,على نحو لم يكن لهم فيه سابق توقع ولا تخطيط),وانطلاقا من هذه الشهادة أو من هذه القراءة في التاريخ,يمكن تلخيص الأبعاد الدلالية الكبيرة التي تحملها القصيدة في عنوانها,في بعدين رئيسين هما:البعد المستقبلي النبوئي المتفائل الذي يحمل بشارة الخلاص للشعب الفلسطيني وكل الشعوب المناضلة في العالم,والبعد المستقبلي النبوئي المتشائم الذي يحمل نذير الثورة والانتقام ضد كل ظالم مستبد, فكما تنبأ زعيم قبائل الدواميش بانهيار قوة الاسبان وانهزامهم في عقر دارهم,يتنبأ محموددرويش كذلك في هذه القصيدة بانقلاب التاريخ على الصهاينة وعلى القوى الكبرى التي تدعمهم في العالم,ومثلما كان للشعب الجزائري العظيم خطبته الأخيرة على جثمان الاستعمار الفرنسي الغاشم سنة 1962فسوف يكون للشعب الفلسطيني المكابر يوم يقول فيه كلمته الأخيرة ويلقي فيه خطبته الكبيرة على رفاة الكيان الصهيوني وان طال الزمن0
*الهوامش:
1 –محمود درويش :خطبة الهندي الأحمر ماقبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض.
2 –مجلة الكرمل :عدد 45-1992نصوص هنود أمريكا الشمالية ,ترجمة صبحي حديدي.
3 –مجلة العربي 599: -أكتوبر2008ملف خاص عن محموددرويش.
4 –كتبت هذه الدراسة لأول مرة بشكل مختصر سنة 1993ثم أعدت كتابتها واخراجها بهذا الشكل بعد رحيل الشاعر نهاية 2008
.
محاولة الإنصات لنداءات ما الذي تستطيعه الفراشة؟ لمالك بوذيبة
بقلم : الأستاذة نهاد مسعي



هذه قراءة أخرى في ديوان مالك بوذيبة الأخير(ماالذي تستطيع الفراشة؟)وفيها تحاول الأستاذة نهاد مسعي (التي تدرس تحليل الخطاب والنقدالمعاصر بجامعة أم البواقي)الأقتراب أكثر من عوالم هذا الشاعر الذي لا يزال يصنع الجدل سواء بكتاباته المتميزة أو بمواقفه الصارمة تجاه الكثير من المسائل.
"مزيدا من الموت شعرا"

محاولة الإنصات لنداءات ما الذي تستطيعه الفراشة؟ لمالك بوذيبة
بقلم الأستاذة: نهاد مسعى
مالك بوذيبة ...صوت شعري، يذرع وعود الإبداع ليبتر الشك و يتحول تجاه البدء، وليرسو على ثمار الأحلام كي يتماوج وراء الممكن ، وأنت تقرأ تجربته الطازجة تشعر بأن عليك معرفة أصول الشاعر في تذويب الكلمات و الصور و الأحلام و الهواجس في قيثارة الشعر ... دهشة و نقاء رغبة و رهبة، تخدش حياء الورقة بخنجر الأغنيات و تمهد لوشايات السوسن و أحلام العذارى ... ثمة وجع يصارع أحلام القبور في منفى الاغتراب:
وآه... يأيها الشعراء
... وأسطورة الموت شعرا وعشقا
تناديكم نحو عمق القرار
..... مزيدا من الالتحام مع اللاتلاقي
لكي نلتق ي ذات موت شهي...1
يعبر النص البوذيبي الشعري عن شهوة البوح باختيار لغة مشاكسة، تلون المساحات التي تحيط بالرؤية وتوقظ بكارات الأشياء بمباهج التناسل وتمنحه ثيمات يطمئن إليها سياق النص حينذاك تفاجىء المتلقي بدستور التوقع الألق المتوقع من التوتر الدهشة والمفارقة هو ذا ينجز الشاعر بانوراما شعرية هائلة .
منذ العنوان تدخل عتبة العالم ويغويك اللعب مع اللغة وهي تتشظى في ساحات ملأى بطقوس الدهشة تتآلف وتتناقض تتماثل وتتداعى لحظة الجماع الإبداعي بين الوطن الكتابة و الشاعر حينذاك تتمرأى تدريجيا الأنا / الشاعر«على نحو خفي موغل في التستر، لما يرشح به المرئي في اللامرئي »2، لتكشف تفاصيل العالم، و تكسر المعاني في مسرح الأسطورة و تلامس أوجار الذات لحظة المكاشفة الصوفية .
الواقع أن الشاعر يغمرنا – منذ البدء – بسؤال مثير، ينسحب على قصائد الديوان، ليكشف المسكوت ويقتنص شرارة الانصهار بين الماضي و الحاضر ليشتبك المزيج هنا بمجرد استدعاء علامة الترقيم (؟) كشحنة إيحائية معززة بالتحولات الذهنية و التموجات النفسية و ملونة بنبرة إيقاعية مكثفة، إذاك، يجد المتلقي نفسه أمام جسد مغر، دلالة ممتنعة، ورغم ذلك يحاول هرسلتها ويتلذذ معاشرتها لإشباع حيرته وتساؤله.
مالك بوذيبة، شاعر من طينة أخرى، يقاتل موته حين تمزقه الكلمات، يعاند طيف الزمان حين تهمس فتنة البدايات......، يضعنا على انساق مغايرة تلوذ بالدهشة وتسلمنا إلى الحوض في أسئلة الصراعات المصيرية الحاسمة، إنها – الدهشة أمام الحياة- كما يقول بورخس، بل انه الشعر نفسه، ذلك أن الشعر إفراز إنساني يعاني الحبل والصرع والشيزوفيرانيا، انه خلاص للشعراء بتعبير مالك بوذيبة، ضمن هذا السياق، يتضاعف رهان الفراشة على حمل طاقات الغصب، لترصيص الذاكرة والارتواء بماء الحياة.
ثم يكشف نص الشاعر عن ذلكم الملمح الذي يصطحب معه الأنثى/الاستثناء التي تؤثث ذاكرة الكلمات و تعري طقوسها السرية، وتبارك اللقاء في شعاب الحلم، ولا ضير على الشعر من ميلودراما البوح وهي ترمم النص المازوم:
وها أنت ذي أشقر الشاعرات
فماذا إذن
إذن نلتقي
أكون لك خادما أو أميرا
و تكونين لي أجمل السيدات
نصلي معا
أو نموت معا
ثم نحيا3
إن إتكاء النص هنا على مفردة الأنثى هو الذي « يشعل فينا شهوة الكتابة »4، هو دعوة سرمدية، هيأت ذاكرة المتلقي بقبول مدلولات متجذرة تسبح في الفلوات القصية، لقد قالت الأنثى كل ما عندها في حفل الدلالة و هي تخرج مداعبة رغائب الروح، باحثة عن أقاليم الجمال، في حضرة « وردة النار الرشيقة »5 بتعبير عبد الحميد شكيل، هو ذا يرتقي المعنى :
بيني و بينك
ماذا تقول الوشايات عني
تقول بأنك
ماذا ؟
بهن جننت
جنوني أحلامي المشتهاة6
لا مراء في أن نصوص الرجل تحمل في صلبها تفاعلا تركيبيا مع المؤنث الذي يعول عليه في تلقيح برج الكتابة ، لينجب من أحلام الصبى عالما بريئا ، يخصب أفق المعنى، ولاريب أن تقتحم تباريح النص متخيل المتلقي . « الألم وحده هو أم الشعر الحقيقي»7 ، نداءات غواية تدخل مالك بوذيبة تعاريج الوطن بطقوس الإيحاء التي تفرضها مأساوية المشهد و عتمات الفضاء و أوجار الذات ، ليطفح المزيج بسيمياء الألم و تتفجر نسوغه بصراخ إبداعي حملته الفراشة :
من سنين و هم يطلقون الرصاص ،
ومن سنوات و نحن نموت
تعبن من الموت نحن ، ولم يتعب القتلة !
ولم يستريحوا،
ولا ومضة من زمن
لكي نستريح من الهرولة
و نكتب أغنية للوطن
و نموت8

 و لاغرو في ذلك ،فالوطن متعب مضرج بدم العذارى بتعبير نصيرة محمدي ،يفجر من الواقع همومه، ضرباته،قهره الناشب،ويصبه في ميسم الكتابة، هي دعوة للانخراط في الواقع المحاصر وسحقها ،لفك طلاسم الالق والذعر.
أما ما يتساءل في النص فهو نداءات خفية، تفضح المسكوت بهدوء حالم تتضافر فيه الحواس والذوات منذ وهلة البياض، لتشكيل اللقطات الشعرية المضيئة التي تتوسل ذاتا شعرية متميزة، وغير خاف ما يرشح به الديوان من لوحات تدغدغ أحشاء النص لتضع عبق النبوءات بديلا.
هذا ما استطاعه مالك بوذيبة، نص عصي، متمنع وممتع لا يسلم مفتاحه السري إلا لمن يروم الامتزاج بعذابات الفراشة.

                             صباح الغوايات


صباح اشتعال العناقيد
مصيدة لافتضاح النبيذ
صباح الغوايات والشعراء
وأجمل ما شاهدت نجمتان
صباح امرأه
    -لهذا اذا صرت بحرا هناك
تصير هنا لؤلؤه! 
 ***          ***
       *** 
صباح اخضرار الينابيع
أرجوحة السهو والأنبهار
وصفصافة في مهب النساء
                  صباح قصيده
-لماذا اذن لا تطالعني في الجريده؟!
-لأن صباح اذا صرت منها قريبا
تصير بعيده!
قرنفلة العشق والعاشقين صباح
وتفاحة السحروالأنبياء صباح
صباح سفرجلة في دمي
وصباح مدينه!
-لهذا اذا ما أكون سعيدا
تكون حزينه!
***       ***
    ***

صباح شجن
مرايا مسافرة في الزمن
وعطور خجوله!
صباح جميله
ورائعة كالوطن
في كتاب الطفوله!
اذا غرد الطير قال صباح
وان صفق الموج قال صباح
جميع الكواكب تهتف باسم صباح
وكل المراكب ترحل باسم صباح
صباح المساء وأحزانه وصباح الصباح
فالشمس تشرق كي تستحم بعطر صباح
والشمس تغرب كي تستظل بظل صباح
فماذا تكون صباح؟!
-تكون الشذى
        أو تكون الندى
             أو تكون الوسن
تكون القصيدة في وهمها
 والمدينة في حلمها
أو تكون الوطن
تكون البداية في بدئها
وتكون الأبد
تكون الخيول مطهمة بالصدى
وتكون الزبد


 ***          ***
        ***
 
لها ركبتان من المرمر
                             وخصر تثنى ولم يكسر!
وعينان من فيض عينيهما
                           شربت ..شربت ولم أسكر
سلام على طفلة اللازورد
                              وسيدة المخمل الأخضر
وطوبى لتفاحة الصابرين
                          وللمكاء,للثلج,للسكر!
لسمراء تذهب في الاحمرار
                      وشقراء تذهب في الاسمر
وعذراء تذهب في الزنجبيل
             وفي المسك في العطرفي العنبر
حنون وبارعة في الحنين
                         وطيبة كالثرى الأسمر
وظل من الله منها يطل
                      على شرفات المدى المقمر
صباح ومشرقة كالصباح
                    فيا نور يا نار ها نوّري!
أذوب قليلا قليلا قبيلا
                    على ركبتين من المرمر!!
***             ***
       ***

-لماذا أكون أنا لصباح الندى والشذى
وصباح لوردتها الذابله
في الحديقه؟!
-لأن صباح تحب الحقيقه
لأنك ان كنت منها قريبا تموت
وان كنت منها بعيدا تموت
وبين الحضور وبين الغياب تكون طليقه!
***            ****
        ***
صباح صبيه
ولكن..
اذا مسها الماء في صدرها قد تصير نبيه!
-وماذا اذا صلبتها الزوابع من شعرها
هل تصير قتيله؟!

-تصير قبيله!
وما بين موت,وموت جديد
تموت كثيرا وتحيا قليلا!
صباح زرافه
وأسطورة الشعر والشعراء
صباح خرافه!!

lundi 26 mars 2012

                          رقصة أخيرة حول نار الحب
تعالي لكي..
نطلق النار هذا المساء على حلمنا
ودقي المسامير في الحلم؛
دقي المسامير في اللحم كي نستريح؛
وكي تستريح المسامير في لحمنا!
تعالي ..
لكي نرقص الميجنا
وكي نشرب الدمع؛
نخب انكسار الحياة,
ونخب انتصار السماء على حبنا!
تعالي..
لكي نصلب الشمس هذا المساء
على حائط كان قد ضمنا
ونكتب مرثية للنهار المسجى
وشاحا رهيبا على المنحنى
عيونك؟!
يا لضياع المراكب,
تحت سماء من الوهم,
فوق بحار من الحلم
يذبل فيها السنا!
دموعك؟!
يا لدموع التماسيح!
يا لوميض السراب؛
ويالانطفاء المنى!
 ***
تعالي دقائق
نجلس فيها على الرمل
نكشف فيها الحساب
ونسأل/
هل كان حبا هوانا؟!
وما الحب؟!
نسمع رد الجواب
هو الحب
حاء الحنين الذي كان حلما جميلا
وباء البياض الذي..
كان ثلجا وذاب!
هو الحب
ما سطرته خطانا
على الدرب
ذات مساء بعيد
وما خلفته الخطى خلفها
من عذاب!
تعالي..
لنغلق باب الحضورالأخير
 علينا
ونفتح نافذة للغياب
تعالي
فقد كان حبك طفلا جميلا
قتلناه عمدا
بكينا عليه
أهلنا على مقلتيه التراب!
 ***
تعالي سألتك ؛
أو لا تجيئي!
فقد جف في شفتي النداء
ومات الشعور
فسيان عندي
رحيلك عن عالمي والبقاء
أحبك؟!
يا لمعاول هدم!!
تهدم مقصورة الكبرياء
وتبني على الرمل,
أنقاض حلم
يصفر في جنبتيه الهواء!
هواك أنانية لا تثنى
وليس يبارك رب السماء
غراما تجرد من كل معنى
وبدل طهرا له بالرياء
تعالي..
 دعوتك كي نستريح
على مهمه الريح هذا المساء
ونبكي قليلا لعل البكاء
يطهرنا من جميع الخطايا
ويفتح للحب باب الرجاء
تعالي!



في الخروج لمكاشفة الصيف

للفصول غواياتها المشتهاة ،

وللصيف نكهته المستحبة ،

هل تذكر الصيف ؟!

قعدتنا في طريق النساء ،

تحسسنا في المدى خطوهن،

تلصصنا كلما انحسر الثوب..

عن ركبة امرأة سائحه!

والتذاذاتنا ...

بفساتين جارتنا في السطوح ،

ابتهاجاتنا ...

بتلاوين لذتنا الجامحه

صمتنا ..

وتلعثمنا في الكلام ،

إذا فاجأتنا العيون ..

بأسئلة فاضحه

عن حبيباتنا السريات ،

تثاوبنا في الصباح اللذيذ

إذا أيقظتنا شوارع حارتنا

بالزعيق الممل لأشرطة " الراي " ،

أو بالصراخ الرتيب ...

لأطفال جيراننا المزعجين ،

وبالرائحه

كل ذاك ، وعاداتنا السيئات ،

كأن نختلي وحدنا بصغار البنات ،

وأن نرسم السهم والقلب ،

بالفحم فوق بياض الجدار ،

وأن نتأخر عن موعد المدرسه


***



إنه الصيف

يأتي ...

فيسرق منا الرؤى والحواس ،

يعلمنا من غواياته ما يشاء ،

ويمضي ...

فتشتعل الحاسة السادسه


***


وها .. إنه الصيف يأتي

فيستيقظ الحب فينا ،

وتستيقظ الرغبات الدفينة ،

يكبر حب ملوك البنات ،

بأعطافهن ،

وينضج تفاح جارتنا الفائره

من زمان الطفولة ،

لم يعرف القلب  شيئا كهذا ..

ولم تشهد الروح شيطنة مثل هذه ..

لكنه الصيف

يأتي ...

فتأتي الطفولة ،

تأتي الغوايات ،

كالسيف تدخل فينا ..

وكالصيف تسكن فينا ..

وتفعل فعلتها الماكره

ما الذي تستطيع الفراشة أن تحمله؟

إلى بختي بن عودة *



          ـ 1‏ ـ

إنها الخامسه !
...   ...   ...
لا جرائد هذا الصباح ،
ولا شاي ، لا تبغ ، لا قهوة بالحليب ،
ولا غاز ، لا ماء ، لا كهرباء ،
‏ولا شعر، لا بحر، لا رمل ، لا نورسه!
...   ...   ...
إنهم يطلقون الرصاص من الخامسه !
يا تر ى ...
عندما يطلقون الرصاص على شاعر ،
 أو على طائر ،
 أو على نرجسه !
في صباح حزين ،
كهذا الصباح المعلق فوق حبال التردد !
بين الرطوبة واليابسه !
وطني ...
من يصف الورود على شرفة الفجر ،
أو يفتح الباب للشمس كي تدخل القلب
أو يعبر اللحظة الدامسه
كحصان من البرق ،
من يشعل البرق في طيلسان الأنوثة ،
أو يمنح العطر للأقحوان المجفف ،
فوق سطوح البيوت ،
في ضحكة امرأة عابسه ؟
ياترى...
في صباح حزين ،
كهذا الصباح الذي .. يشبه المكنسه!
من يعيد النجوم إلى سقفها المتهالك ،
أو يرجع الوقت للساعة الحائطية ،
حين تنام العقارب نوما عميقا ،
على بعضها في الصباح الحزين ،
على الخامسه !
يا ترى ...
عندما يذهب الشعراء إلى النوم ،
من يخرج الشعر من كشتبان الرتابة ،
من يدخل الشعر في إكليروس الحداثة ،
أو يوقظ الحاسة السادسه
في قناع من الشمع ، من ؟
ومن يقرع الجرس المدرسي مساء الخميس
لكي يخرج الطل ، والفل ،
والياسمين الخجول
من المدرسه ؟!
يا ترى...
عندما يترك الشعراء أصابعهم في البيوت
وهم يخرجون إلى حاجز غامض ،
أو إلى ... مومسه !
من يـحذرهم من فساد الظنون ،
ومن طعنة في الظلام الشفيف ،
ومن شهوة امرأة جالسه
فوق سرج الرجولة ،
تحت سياط من البرق ،
تأخذ وضعية الفارسه ؟!

 ـ 2‏ ـ
في الصباح الحزين الذي ...
يطلقون الشتائم فيه على .. أمنا!
وطني ...
كم من الورد يكفي ، وكم سوسنه
ياترى سوف تكفي ..
لنكذب كل صباح على حزين ،
على ذقن أطفالنا الطيبين ،
لنقنعهم أننا ..
في الهزيع الأخير من الإنتظار الممل ،
وأن الدماء التي في الشوارع ورد ..
تفتح قبل الأوان ، وكم دندنه
ياترى سوف تكفي لنوهمهم أننا ..
أبرياء من الذنب والكبرياء ،
ومن سنوات الجنون التي عذبتنا كثيرا.
كما عذبتهم بنا؟!
ما الذي خلفته لنا نشرة الثامنه
من جميل الكلام عن الحب ،
كي نكتب الشعر..
عن أجمل السيدات ،
بلادي ،
وعن زهرة الأمكنه ؟!
ما الذي سوف نحكي لأطفالنا
في ليالي الشتاء ،
إذا سألونا..
عن الطلقات التي بيننا ؟
وماذا نقول لنقنعهم أننا أمة مؤمنه
وفي كل فجر يموت الندى ،
ويموت الشذا ،
وتموت الخيول على بعد مترين ..
من مئذنه ؟!

ـ 3‏ ـ
يا صباح الندى .. والجحيم ،
ويا موطن الوحش ، والسنبله !
ما الذي تستطيع الفراشة.. أن تحمله!
من هموم القصيدة ،
أو تستطيع القصيدة أن تفعله
 في زمان التماسيح ، والديناصورات ، والفيله!
ما الذي لم يقله لكم مهرجان الجنون ،
لكي تسألوني ما قد تعسر يا أصدقاء ،
من الشعر والعندله ؟!
ما الذي يكتب الشعراء ،
وهم خائفون ،
كما ينبغي أن تخاف الطيور على ريشها
من رذاذ المساء ،
وهم جائعون ،
كما ينبغي أن يجوع الكريم..
إلى كلمة حرة ،
وإلى لقمة حرة ،
في بلاد تقاسمها في بنوك الربا ..
بالديون ، اللصوص ، وبالجدوله ؟!
ما الذي يترك الشعراء لقرائهم..
 في بريد الصباح ،
وهم يسقطون بلا سبب واضح ،
في الفراغ الرهيب ،
كما تسقط الثمرة الذابله!
أنضجتها البنادق ،
أو أنضجتها الكوارث والمرحله!
...   ...   ...
من سنين وهم يطلقون الرصاص ،
ومن سنوات ونحن نموت ،
تعبنا من الموت نحن ، ولم يتعب القتله !
ولم يستريـحوا ،
ولو ومضة من زمن
لكي نستريـح من الهروله !
ونكتب أغنية للوطن
ونموت ؛
كما ينبغي أن تموت الخيول الأصيلة ،
دون رصاص كثير ،
ودون كلام كثير ،،
 ولا أسئله!!
1996



* بختي بن عودة الناقد ، الباحث والمبدع المعروف سقط برصاص الخرافة  سنة  95
-  نشرث القصيدة بمجلة البيان الكويتية عدد نوفمبر97 وجاء في مقدمة العدد أن هذه القصيدة هي من النصوص الناذرة التي تنفذ إلى عمق المأساة في جزائرنا الحبيبة والتي تدعو إلى المشاركة الفعلية لوقف هذا النزيف الدموي .